سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )

305

خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )

كونوا قوّامين بالقسط شهداء للَّه‌و لو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين » [ النساء : 135 ] ، اللّهم‌ّإلا ما لا تخلو عنه الطبائع البشرية ومن نشأة المسلمين إلى اليوم لم يدفعوا أحدا من مخالفيهم عن التقدم إلى ما يستحقه من علو الرتبة وارتفاع المكانة ، ولقد سمى في دول المسلمين على اختلافها إلى المراتب العالية كثير من أرباب الأديان المختلفة وكان ذلك فيشبيبتها وكمال قوتها وكان من يصطنعونه على ما يرام من الإخلاص لا يحاولون كيدا لسلطان المسلمين ولا يعملون الغوائل لملكهم ولم يزل الأمر على ما كان مع تغير أخلاق المصطنعين ، وسوء نواياهم وفي الظن أن الأمم الغربية لم تبلغ هذه الدرجة من العدل والمسامحة إلى اليوم ، فبعد القوم يظنون أن المسلمين بتعصبهم يمنعون مخالفيهم من حقوقهم ! ! لم يسلك المسلمون مسلك الإلزام بدينهم والإجبار على قبوله مع شدة بأسهم في بدايات دولهم وتغلغلهم في افتتاح الأقطار واندفاع هممهم للبسطة في الملك والسلطة ، وإنما كانت لهم دعوة يبلغونها فإن قبلت وإلا استبدلوها برسم مالي يقوم مقام الخراج عند غيرهم مع رعاية شروط عادلة تعلم من كتب الفقه الإسلامي . هذا على خلاف متنصرة الرومانيين واليونانيين أيام شوكتهم الأولى فإنهم ما كانوا يطئون أرضا إلا ويلزمون أهلها بخلع أديانهم والتدين بدين أولئك المتسلطين كما فعلوا في بعض أنحاء الشرق بل وفي البلاد الإفرنجية نفسها ومع المخالفين بالمذهب مثل أتباع « لوتير » في بداية مذهبه البروتستانتي . هذا فصل من الكلام ساق إليه البيان وفيه تبصرة لمن يتبصر وتذكرة لمن يتذكر ثم أعود بك إلى سابق الحديث فيما كنا بصدده هل لعاقل لم يصب برزيئة في عقله أن بعد الاعتدال من التعصب الديني نقيصة ؟ ! وهل يوجد فرق بينه وبين التعصب الجنسي [ 1 ] إلا بما يكون به التعصب الديني أقدس وأطهر وأعم فائدة ؟ ! لا نخال عاقلا يرتاب فيصحة ما قررنا ، فما لأولئك القوم يهذرون بما لا يدرون ؟ أي أصل من أصول العقل يستندون إليه في المفاخرة والمباهاه بالتعصب الجنسي فقط واعتقاده فضيلة من أشرف الفضائل ويعبرون عنه ب « محبة الوطن » ؟ وأي قاعدة من قواعد

--> [ 1 ] - المراد من التعصب الجنسي في كلام السيد هو التعصب العرقي أو العنصري والقومي .